رحيل الإذاعي جورج مصري صاحب عبارة "أحييكم من وسط لندن"

ومرت السنون وأنا لا أعرف عنه شيئا وذات مرة كنت أعمل في فيلم أميركي وأثناء تحضير أحد المشاهد تبادلت الحديث مع ممثل إنجليزي وعندما تعرف علي خلفيتي طلب مني تبليغ السلام لجورج مصري، وكانت دهشتي كبيره عندما أخبرني أنهما كانا زميلين في مدرسة بريستول أولد فيك للفنون الدرامية وأنه (جورج) كان متفوقا عليهم وأنه كان من أنجح دفعته وأنه عمل مخرجا للدراما في راديو٤ (وهو من أكثر جهات العمل المرموقة في بريطانيا كلها) ثم تقلد بعد ذلك عدة مناصب أخرى.
وعنه يكتب الصحفي علي الرفاعي: "كان جورج مصري رئيس وحدة الدراما بالقسم العربي فلم يكن لي تعامل مكثف معه مباشرة فالممثل يتعامل مع المخرج ولكني كنت أشعر بتأثيره الإيجابي ودعمه للعمل والعمليه الإبداعية نفسها دون أن يقحم نفسه أو يروج لذكائه وحكمته الإداريه وخفة ظله.
ويتوالى الفقد والحزن على إذاعة بي بي سي وكأنها على موعد معهما..جورج مصري في ذمة الله . بداية التحاقي متعاونا مع راديو بي بي سي عربي وجدته يقدم العالم هذا الصباح من الثلاثاء إلى الجمعة. يأتي بعد الواحدة حاملا ثيرموس به ماء ساخن ممزوج بالليمون والعسل، ومحبرة إذ كان يكتب مقدماته بقلم الحبر السائل التروبين. كان مهذبا خفيض الصوت، وكان كثيرا ما يجلب شايا وقهوة للفريق من مقصف بوش هاوس، وإذا أحبك كان يصر على أن تتناول معه كوبا من ماء الليمون والعسل.
كانت الإذاعة يومها تفتتح بالقرآن الكريم وكان يحرص دائما أن يطلب من أي منا ان يرفع صوت المذياع كي يسمع تلاوة القرآن. وعندما نذهب إلى الأستوديو وكنا وقتها نقرا التقارير الإخبارية حية على الهواء و لشدما كانت تزعجه جلبتنا وخشخشة الأوراق عندما نحركها أمام المايكرفون. وكان يصر على تعليمنا أن نمسك الأوراق بالطريقة الصحيحة التي لا تصدر ذلك الصوت الذي كان يزعجه. ويزيد: في الدراما عندما نمثل صوت حريق ندعك الأوراق بعضها ببعض امام المايك فيحدث صوت الحريق. وكان كثير الترديد لعبارة..coming up يا جماعة جماعة تنبيها لنا قرب انتهاء المواد المسجلة التي كانت تبث في البرنامج حتى لا تلقط المايكروفونات أصوات ضجيجنا.
علمني منتجة المواد المسجلة، وكيف ألا اخطئ في الممنوع من الصرف. وكان كثيرا ما يسألني مداعبا من أين تأتي بالعبارات الفريدة في ترجماتك في هذه الساعة من ساعات الليل؟ ولا أنسى اشادته بتقرير لي يوم تشييع الرئيس الفرنسي ميتران. قال لي لم اسمع ترجمة بهذا الجمال منذ زمن بعيد.
اخبرني أن والديه الطبيبين الأردنيين ( والدته أردنية فلسطينية ) عملا فترة في مستشفى الخرطوم العمومي. وقد أرسله والداه إلى بريطانيا لدراسة الدراما على نفقتهما الخاصة في بريستول في غربي انجلترا. وكان عضوا في نقابة الممثلين البريطانيين إيكويتي لذا كان يتقاضى أعلى أجر بين نظرائه وقتها.
لا أنسى تحيته الشهيرة في بداية الجولة..وأحييكم من وسط لندن في هذه الجولة الإخبارية التي تنقلنا إلى كذا وكذا وكذا ولكننا نبداها من كذا . وكان يختتم الجولة دائما بعبارته: هكذا بدا العالم لنا هذا الصباح.
رحمك الله يا جورج. ارقد بسلام أيها الراقي الشفيف.

توفي هذا الأسبوع الإذاعي الأردني، جورج مصري، الذي انضم إلى القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية منذ بداية ستينيات القرن الماضي وترأس قسم الدراما لعدد من السنوات وأشرف خلالها على عدد كبير من البرامج الثقافية.
وفي التسعينيات انتقل الى قسم الأخبار وقدم طوال عدد من السنوات الجولات الإخبارية الصباحية.

Comments