المدن الكبرى التي لا مكان فيها للأطفال
لم تتصور جنيفر ويدون بالاتزو، إحدى مُؤسسِات موقع MomCave للمقاطع المصورة الكوميدية التي تركز على وقائع الحياة اليومية للأمهات، أن تعيش يوما ما في الريف، فقد ظنت دائما أنها ستعيش في المدينة طيلة حياتها.
لكن بالاتزو، البالغة من العمر 46
عاما، تعيش الآن في منزل في أرياف ولاية ماساشوستس انتقلت للإقامة فيه بعد
15 عاما كاملة قضتها في شقة مستأجرة بنظام الإيجار محدد المدة في حي
مانهاتن في مدينة نيويورك. وقد عاشت في هذه الشقة مع زوجها وطفلها الذي يبلغ من العمر الآن تسعة أعوام، وذلك قبل أن تُرزق - بعد انتقالها للحياة في الريف - بطفلة في الرابعة من عمرها في الوقت الحاضر.
وفي شقة نيويورك، تشاطرت الأسرة - التي كانت مؤلفة في ذلك الوقت من ثلاثة أفراد - غرفة نوم واحدة؛ كان فراش الطفل فيها لا يبعد سوى قدم واحدة تقريبا عن مخدع والديه.
ورغم ذلك، فقد ظلت الأم لفترة مصممة على البقاء في هذا المكان، نظرا لأن فرصها في العمل كممثلة وعارضة للطرز الجديدة من الأحذية، كانت تتركز في المدينة.
لكن بمجرد انتهاء عقد الإيجار، لم يعد من المجدي ماليا للأسرة البقاء في تلك الشقة. ولم يكن السبب الوحيد في ذلك، أن تجديد العقد سيعني دفع إيجار يزيد عما كان يُدفع من قبل بواقع ثلاثة أضعاف تقريبا، ولكن كان من بين العوامل التي حدت بالزوجين للانتقال إلى مكان آخر، أنهما لم يعودا قادرين على تحمل نفقات الكثير من الأشياء، ومن بينها تكلفة حجز مساحة لركن سيارتهما تحت المبنى، وهي السيارة التي كان وجودها ضروريا لإيصال طفلهما إلى مدرسته.
وفي الوقت نفسه، كان الاثنان قد شرعا في محاولة إنجاب طفل ثان؛ ما يعني أن المساحة المحدودة لشقة مانهاتن، كانت ستشكل لهما مبعثا للقلق. في ذلك الوقت، لم تكن محاولات البحث عن شقق أخرى تبدو واعدة، فقد كان المتاح أمامهما أماكن محدودة المساحة بدورها، وأبعد بكثير عن وسط المدينة.
وبعد طول تدقيق في ميزانية الأسرة ومواردها المالية وأوجه إنفاقها، قرر الزوجان الانتقال للعيش خارج نيويورك. لذا قللت جنيفر من تركيزها على ممارسة مهنة التمثيل، وبدأت مزاولة مهن أخرى يمكن القيام بها من المنزل، أو دون الاضطرار للتردد على المدينة، مثل تحرير مقاطع الفيديو.
أما زوجها فهو موسيقي متخصص في موسيقى الجاز، وهو ما يجعل عمله لا يتأثر كثيرا بمكان الإقامة. المفاجئ بالنسبة لهذه السيدة تمثل في مدى السعادة التي شعرت بها للحياة في الريف، وكذلك سرعة تأقلم طفليها على العيش هناك.
لكن بالرغم من أن نمط حياتها الجديد يروق لها بحق، فلا تزال جنيفر تعشق المدينة من صميم قلبها. مع ذلك، فقد بدأت الكثير من الأسر - ومن بينها أسرتها بالطبع - ترى أن العيش في قلب المدن بات خيارا غير ملائم.
تجتذب المدن مهيبة التأثير - التي تتسم بطابع رأسمالي حافل بتنافس لا يرحم - المهنيين الذين يحصلون على رواتب عالية وينهمكون في العمل بشكل مفرط، ممن لا يتوافر لهم الوقت ولا الرغبة في تكوين أسرة.
وتظهر دراسة تحليلية لبيانات تعداد السكان في الولايات المتحدة أن الفئة الديموغرافية الأسرع نموا في المدن الأمريكية الأكثر كثافة سكانية، تتمثل في خريجي الجامعات الأغنياء بيض البشرة ممن ليس لديهم أطفال.
وأشارت الدراسة إلى أن المدينة التي تضم العدد الأقل من الأطفال بين المدن المئة الأكبر في البلاد، هي سان فرانسيسكو، تلك البقعة التي ترتفع فيها الأسعار على نحو هائل، وتتمركز فيها الكثير من الشركات الناشئة. فنسبة الأطفال هناك لا تزيد عن 13 في المئة من عدد السكان، أي ما يقارب نصف المعدل المتوسط للأطفال في الولايات المتحدة والبالغ 23 في المئة. وكشفت البيانات أيضا أن عدد الأطفال في سان فرانسيسكو، تقلص إلى النصف تقريبا منذ عام 1970.
على أي حال، هناك الكثير من الأسباب التي تقف وراء التراجع العام في عدد الأطفال المقيمين في المدن الكبرى في العالم. ومن بين هذه الأسباب، حقيقة أن سكان تلك المدن في الكثير من الدول - ومن بينها الولايات المتحدة - صاروا ينجبون أطفالا أقل بوجه عام.
لكن مايكل سيمَن، الذي يجري دراسات بشأن تخطيط المناطق الحضرية لحساب جامعة كلورادو ستيت الأمريكية، يشير إلى عوامل أخرى، من بينها اختيار المهاجرين للسكن في ضواحي المدن بدلا من المناطق الواقعة في وسطها، وكذلك استمرار تفضيل الأسر الحضرية الشابة للإقامة في الضواحي، نظرا لأنها "تضم مدارس أفضل ومنازل أكبر وخيارات عمل أكثر مرونة".
ويمكن القول إن العامل الحاسم في هذا الصدد، يتمثل في القدرة على تحمل تكاليف الحياة وأعبائها. وتقول ليا كراستِن، باحثة في شؤون الأسر والجغرافيا الحضرية في جامعة أمستردام، إن الأسر والعائلات عادت من جديد للانتقال للإقامة خارج المناطق الواقعة داخل المدن - بأعداد متزايدة - خلال أخر عامين أو ثلاثة. (لكن هناك استثناءات في هذا السياق، تشمل - مثلا - برلين وأحياء بعينها في باريس).
ولم يكن هؤلاء المرتحلون من قلب المدن مدفوعين هذه المرة برؤية مثالية للحياة في الضواحي، وإنما أقدموا على ذلك لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف المعيشة، في المناطق التي آثروا الابتعاد عنها.
ربما يحسب البعض أن كون الحياة في مدينة ما في متناول الأسر والعائلات المختلفة أمر يرتبط فقط بالقوى المحركة للسوق والمؤثرة فيه. لكن الحقيقة تتمثل في أن هناك سياسات بعينها، هي التي تحدد ما إذا كانت الحياة في المدينة في مقدور العائلات والأسر أم لا.
ورغم أنه من الصعب أن يحدد المرء بدقة حجم التكاليف التي تتحملها مدينة ما - أو القائمين عليها - لسكنى أسرة بعينها فيها، فإن هذه التكلفة تزيد بوجه عام، عن تلك التي تتكبدها سلطات المدينة لإقامة شخص بمفرده، أو لسكن أشخاص ليس لديهم أطفال فيها.
ويرى مسؤولو المجالس البلدية في بعض المدن أن إعطاء الأولوية لمن ليس لديهم أطفال، أمر أكثر وجاهة من الناحية الاقتصادية، إذ أن هؤلاء يجلبون مكاسب اقتصادية صافية لمدنهم، على عكس العائلات التي تكبدها تلك المدن خسائر صافية أيضا. فالأطفال لا يقومون - بأنفسهم - بمشتريات كبيرة الحجم، كما لا يدفعون ضرائب. بجانب ذلك، قد تشكل الميزانية المخصصة للمدارس التي يتلقون فيها العلم، وجه الإنفاق الأكبر للمجالس البلدية والمحلية.
وفي الولايات المتحدة، يشكل إغلاق المدارس الحكومية إحدى النتائج المترتبة على تغيير طبيعة السكان في منطقة أو ولاية ما، من سكان فقراء إلى آخرين ينتمون للطبقة المتوسطة. ومن بين النماذج الواضحة على ذلك ما حدث في فيلادلفيا، عندما تم تحويل مدرسة ثانوية للتعليم الفني إلى مطعم راق.
وبالمثل، تغلق السلطات في بعض المدن الفنلندية الملاعب المخصصة للأطفال في المتنزهات العامة، لتحاشي الاضطرار لأن تنفق عليها الأموال الضرورية لمواكبة أحدث متطلبات الأمن والسلامة فيها.
Comments
Post a Comment